السيد الطباطبائي

151

تفسير الميزان

شيئا إذ قال سبحانه : " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " الأنبياء : 69 . وقد اختتم بهذا فصل من قصص إبراهيم عليه السلام وهو انتهاضه أولا على عبادة الأوثان واختصامه لعبادها وانتهاء أمره إلى إلقائه النار وإبطاله تعالى كيدهم . قوله تعالى : " وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين " فصل آخر من قصصه عليه السلام يذكر عزمه على المهاجرة من بين قومه واستيهابه من الله ولدا صالحا وإجابته إلى ذلك وقصة ذبحه ونزول الفداء . فقوله : " وقال إني ذاهب إلى ربي " الخ كالانجاز لما وعدهم به مخاطبا لآزر : " واعتز لكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا " مريم : 48 ومنه يعلم أن مراده بالذهاب إلى ربه الذهاب إلى مكان يتجرد فيه لعبادته تعالى ودعائه وهو الأرض المقدسة . وقول بعضهم : إن المراد أذهب إلى حيث أمرني ربي لا شاهد عليه . وكذا قول بعضهم : إن المراد إني ذاهب إلى لقاء ربي حيث يلقونني في النار فأموت وألقي ربي سيهديني إلى الجنة . وفيه - كما قيل - أن ذيل الآية لا يناسبه وهو قوله : " رب هب لي من الصالحين " وكذا قوله بعده : " فبشرناه بغلام حليم " . قوله تعالى : " رب هب لي من الصالحين " حكاية دعاء إبراهيم عليه السلام ومسألته الولد أي قال : رب هب لي " الخ " وقد قيده بكونه من الصالحين . قوله تعالى : " فبشرناه بغلام حليم " أي فبشرناه أنا سنرزقه غلاما حليما وفيه إشارة إلى أنه يكون ذكرا ويبلغ حد الغلمان ، وأخذ الغلومة في وصفه مع أنه بلغ مبلغ الرجال للإشارة إلى حاله التي يظهر فيها صفة كماله وصفاء ذاته وهو حلمه الذي مكنه من الصبر في ذات الله إذ قال : " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " . ولم يوصف في القرآن من الأنبياء بالحلم إلا هذا النبي الكريم في هذه الآية وأبوه في قوله تعالى : " إن إبراهيم لحليم أواه منيب " هود : 75 .